حديث الجساسة غريب فرد

تخريج الأحاديث وغيرها ، والسؤال عن درجاتها

حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:11 am

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه .. وبعد

فحديث الجساسة الذي أخرجه الإمام مسلم مشهور، وعلماءُ الحديث يمثّلون به على رواية الأكابر عن الأصاغر كما هو معلوم. وهذا الحديث غريبٌ فردٌ تفرّدت بروايته فاطمةُ بنت قيس رضي الله عنها، لا كما قال ابن حجر إنّ جابراً وأبا هريرة وعائشة رضي الله عنهم متابعون لها. نعم، التفرّد في حدّ ذاته ليس علةً في الحديث، لا سيما إذا كان المتفرّد صحابياً. إلاّ أن علة المتن هنا هو وهم فاطمة بنت قيس رضي الله عنها.

فحديث فاطمة هذا له إسنادان: عن عامر الشعبي، وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن.

أولاً: إسناد الشعبي:
- أخرجه مسلم (2942) وأبو داود (4326) والطبراني (الكبير 20408) وابن منده (الإيمان 1058) من طريق الحسين بن ذكوان المعلم. وأخرجه ابن حبان (6787) من طريق كهمس. كلاهما (الحسين، وكهمس): عن عبد الله بن بريدة.
- وأخرجه الطيالسي (1646) ومسلم (2942) والطبراني (الكبير 20417) من طريق قرة بن خالد، عن سيار أبي الحكم.
- وأخرجه مسلم (2942) والطبراني (الكبير 20418) وابن منده (الإيمان 1060) من طريق جرير بن حازم، عن غيلان بن جرير.
- وأخرجه مسلم (2942) والطبراني (الكبير 20412) وابن منده (الإيمان 1059) من طريق يحيى بن بكير، عن المغيرة الحزامي، عن أبي الزناد.
- وأخرجه إسحاق بن راهويه (2361) و الترمذي (2354) من طريق هشام الدستوائي. وأخرجه الطبراني (الكبير 20416) من طريق سعيد بن بشير. كلاهما (هشام، وسعيد): عن قتادة.
- وأخرجه أحمد (27389) عن يحيى بن سعيد، والحميدي (364) عن سفيان بن عيينة، وإسحاق بن راهويه (2362) عن أبي أسامة، وابن أبي شيبة (37830) عن علي بن مسهر، وابن ماجه (4074) وأبو داود (4327) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، والطبراني (الكبير 20411) من طريق زيد بن أبي أنيسة. كلهم (يحيى، وسفيان، وأبو أسامة، وابن مسهر، وإسماعيل، وزيد): عن مجالد بن سعيد.
- وأخرجه أحمد (27372، 27390) والنسائي (الكبرى 4258) والطبراني (الكبير 20414) من طريق حماد بن سلمة. وأخرجه الطبراني (الكبير 20414) من طريق خالد بن عبد الله. كلاهما (حماد، وخالد): عن داود بن أبي هند.
- وأخرجه الطبراني (الكبير 20410) وابن منده (الإيمان 1057) من طريق محمد بن فضيل. وأخرجه الطحاوي (مشكل الآثار 2478) وابن منده (الإيمان 1057) من طريق أسباط بن محمد. كلاهما (ابن فضيل، وأسباط): عن سليمان الشيباني.
كلهم (ابن بريدة، وسيار، وغيلان، وأبو الزناد، وقتادة، ومجالد، وابن أبي هند، وآخرون عند الطبراني): عن عامر الشعبي، عن فاطمة.

ثانياً: إسناد أبي سلمة:
- أخرجه أبو داود (4325) و الطبراني (الكبير 20373) و الأصبهاني (معرفة الصحابة 7156) من طريق ابن أبي ذئب. وأخرجه الطبراني (الكبير 20374) و ابن عمرو الشيباني (الآحاد والمثاني 3181) من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع. كلاهما (ابن أبي ذئب، وابن مجمع): عن الزهري.
- وأخرجه أبو داود (4328) و أبو يعلى (2164) من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع.
كلاهما (الزهري، والوليد): عن أبي سلمة بن عبد الرحمن. واختُلف عن أبي سلمة: فقال الزهري: عن فاطمة بنت قيس، وهو الصحيح. ووهم الوليد فقال: عن جابر.
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:12 am

الحُكم على روايات الشعبي


أولاً: حديث عبد الله بن بريدة:
رواه عنه اثنان: الحسين بن ذكوان المعلم، وكهمس بن الحسن التيمي.
(1) أما رواية الحسين المعلم فمعلولة، وإليك البيان:
- قوله: ((نكحتُ ابن المغيرة، وهو من خيار شباب قريش يومئذ. فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله r)) فهذا صريحٌ في أن عدّة فاطمة بنت قيس كانت بعد أول غزوة مع رسول الله r عندما فُرض الجهاد. وهذا شاذ تفرّد به الحسين المعلم، وهو باطل لأن عدّة فاطمة كانت في العام العاشر للهجرة كما ستعرف.
- قوله: ((فلما تأيمتُ)) تفرّد به الحسين المعلم، وهو باطل لأن زوجها لم يمت بل طلقها ثلاثاً كما هو مشهور، بل إنه رضي الله عنه شهد فتوح الشام في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فالراوية مردودة لمخالفتها المحفوظ. ومِن عجبٍ أن يُدافع عنها العلماء رحمهم الله فيتكلّفوا تكلّفاً شديداً لتوجيه قوله: ((تأيمتُ))!
- قوله: ((ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم)) أيضاً مردود لأن ابن أم مكتوم ليس ابن عمّ فاطمة بنت قيس ولا من قومها! وقد تكلّفوا في توجيه هذا الأمر أيضاً.
- قوله: ((سمعت نداء المنادي، منادي رسول الله r ينادي: الصلاة جامعة. فخرجت إلى المسجد. فصليت مع رسول الله r)) وهذا مشكل، لأن نداء ((الصلاة جامعة)) يكون في غير الصلاة، أما النداء إلى الصلاة فيكون بالأذان! وقد تفرّد الحسين المعلم بهذا، وأما الرواة الذين ذكروا ((الصلاة جامعة)) فذكروا صعودَ النبيِّ المنبرَ واجتماع الناس ولم يذكروا الصلاة. وهذا الأمر من تضاربات روايات الشعبي كما ستعرف إن شاء الله.
(2) وأما رواية كهمس فمعلولة الإسناد، وهم فيها كهمس فجعلها عن يحيى بن يعمر لا عامر الشعبي، فقال: عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر (!) أنه قال لفاطمة بنت قيس. وممّا يدلّ على عدم إتقانه لهذا الحديث قوله في آخره: ((قال كهمس: فذكر ابن بريدة شيئاً لم أحفظه)).

ثانياً: حديث سيار أبي الحكم:
- وفيه شذوذ في قوله: ((أذن لي رسول الله r أن أعتد في أهلي)) فالمحفوظ أنه r أمرها أن تعتدّ في بيت ابن أم مكتوم.
- قوله: ((إن بني عم لتميم الداري ركبوا في البحر)) معارض لحديث ابن بريدة وغيلان بأن تميماً نفسه هو الذي ركب البحر: ((حدثني أنه ركب في سفينة بحرية)). وهذا من تضاربات روايات الشعبي.

ثالثاً: حديث غيلان بن جرير:
- وفيه شذوذ في آخره في قوله: ((فأخرجه رسول الله r إلى الناس، فحدثهم قال: "هذه طيبة، وذاك الدجال")). فخروج تميم إلى الناس وحديثه إليهم تفرّد به غيلان وخالف الباقين، لأنهم جعلوا عبارة: ((هذه طيبة)) من كلامه r ولم يذكروا لتميم وجوداً في الناس فضلاً عن كلامه معهم.

رابعاً: حديث مجالد:
- إسناده لا ينهض لضعف مجالد بن سعيد. قال الإمام أحمد: ((ليس بشيء)). وقال علي بن المديني: قلت ليحيى بن سعيد: مجالد؟ قال: ((في نفسي منه شيء)). وقال يحيى بن سعيد لعبيد الله: أين تذهب؟ قال: أذهب إلى وهب بن جرير أكتب السيرة، يعني عن أبيه عن مجالد. قال: ((تكتب كذباً كثيراً! لو شئتُ أن يجعلها لي مجالد كلها عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله فعل!)). وقال يحيي بن معين: ((لا يُحتجّ بحديثه)). وقال: ((ضعيف واهي الحديث)). وقال البخاري: ((كان يحيى بن سعيد يضعفه، وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يروي عنه شيئاً)). وسُئل أبو حاتم عن مجالد بن سعيد: يُحتج بحديثه؟ قال: ((لا .. وليس مجالد بقوي الحديث)). وقال ابن عدي: ((عامة ما يرويه غير محفوظ)). وقال ابن حجر (التقريب 2/159): ((ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره)).
- قوله: ((نخل بين عمان وبيسان)) زاد فيه ((بين عمان))، والمحفوظ: ((نخل بيسان)) دون هذه الزيادة.
- زاد في آخر الحديث لقاء عامر بالمحرر بن أبي هريرة ولقاءه بالقاسم بن محمد، ولا تصحّ هذه المتابعات لتفرّد مجالد بها.

سادساً: حديث سليمان الشيباني:
ليس في شيء من الكتب الستة ولا المسانيد، وإنما أخرجه الطبراني والطحاوي وابن منده. وهو يشبه حديث مجالد بن سعيد، إذ فيه:
- أن النبي صلى الظهر وصعد المنبر، وليس في باقي الروايات تحديدٌ للوقت.
- وقوله: ((نخل بين بيسان وعمان)).
- وفي آخره لقاء عامر بالمحرر بن أبي هريرة والراوي عن عائشة.
وقد رواه عن الشيباني اثنان: محمد بن فضيل، وأسباط بن محمد وكلتا روايتيهما معلولة.
(1) أما رواية ابن فضيل: فقد وهم فيها وقال: ((فلقيت عبد الله بن أبي بكر)) وهذا باطل: فعبد الله مات في أول خلافة أبيه، وعامر وُلد في خلافة عمر، ولقي فاطمة في خلافة معاوية!
(2) وأما رواية أسباط: فوهم فيها أيضاً أسباط وقال: ((فلقيت عبد الرحمن بن أبي بكر)). وليس لعامر الشعبي لقاء بعبد الرحمن بن أبي بكر بله سماع، وإنما روى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر وهو ابن أخي عائشة رضي الله عنهم أجمعين.

قال العقيلي (الضعفاء 1/119، رقم 144): ((أسباط بن محمد القرشي: ربما يهم في شيء. حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني الحسن بن عيسى قال: سألتُ ابن المبارك عن أسباط ومحمد بن فضيل بن غزوان، فسكت. فلما كان بعد أيام رآني، فقال: يا حسن، صاحبيك لا أرى أصحابنا يرضونهما)). اهـ
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:12 am

بيان اختلافات المتون


أولاً: اختلاف روايتي الشعبي وأبي سلمة:
(1) في أي وقت قال النبي r هذا الحديث؟
- رواية الشعبي: في النهار بعد صلاة الظهر.
- رواية أبي سلمة: قبل صلاة العشاء الآخرة.

(2) مَن كان حاضراً؟
- رواية الشعبي: جمع غفير من الصحابة بما فيهم النساء.
- رواية أبي سلمة: قلة لأنه أخَّر العِشاء حتى رقد الناس.

(3) أين قال النبي r هذا الحديث؟
- رواية الشعبي: خطبَ على المنبر.
- رواية أبي سلمة: لا ذكر للمنبر.

(4) مَن الذي ركب البحر؟
- رواية الشعبي: اختلاف فاحش.
- رواية أبي سلمة: رجل.

قال الأصبهاني: ((رواه ابن وهب ومعن وعبد الله بن الحارث المخزومي وعثمان بن عمر في جماعة، عن ابن أبي ذئب نحوه. ورواه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن فاطمة نحوه. ورواه الشعبي، عن فاطمة بنت قيس قالت: "خرج علينا رسول الله r بالهاجرة يوماً فصعد المنبر"، رواه عنه العدد الكثير. ورواه سلمة بن صالح، عن قتادة، عن الشعبي، عن سويد بن غفلة، عن فاطمة بنت قيس، وقد ذكرناه في موضع آخر. والزهري تفرد عن أبي سلمة بقوله: "أخَّر ليلة صلاة العشاء"، ولم يختلف أصحاب الشعبي عنه أنه خرج يوماً بالهاجرة فقعد على المنبر)). اهـ

وقد أعلَّ البخاري حديث أبي سلمة وصحَّح حديث عامر. قال الترمذي (العلل الكبير): ((سألت محمداًَ عن هذا الحديث - يعني حديث الجساسة - فقال: يرويه الزهري عن أبي سلمة عن فاطمة ابنة قيس. قال محمد: وحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس في الدجال هو حديث صحيح)). اهـ

قلتُ: الحديث إسناده صحيح إلى فاطمة بنت قيس، ولكن القصة لا تصحّ، وعِلّتها مِن قِبَل فاطمة نفسها كما ستعرف. لكن قبل هذا نشير إلى اضطراب الرواة عن الشعبي فنقول:

ثانياً: اختلاف روايات الشعبي:
(1) لماذا اعتدَّت فاطمة بنت قيس؟
- لأن زوجها مات فتأيمت (رواية ابن بريدة).
- لأن زوجها طلقها ثلاثاً (الباقون).

(2) أين اعتدّت فاطمة؟
- عند أهلها (رواية ابن بريدة، وسيار).
- عند ابن أم مكتوم (وهو المحفوظ).

(3) أين لقي عامرُ فاطمةَ بنت قيس؟
- في الكوفة عندما قدمَتها فاطمة (رواية سفيان عن مجالد).
- في المدينة عندما قَدِمَها عامر (رواية يحيى عن مجالد، وسعيد عن قتادة).

(4) في أي وقت خطب النبي الناس؟
- صلَّى الظهر وصعد المنبر (رواية مجالد، والشيباني).
- لم يكن وقت صلاة، بل صعد المنبر ونودي الصلاة جامعة (رواية كهمس عن ابن بريدة، وسيار، وابن أبي هند).
- في وقت غير محدد (الباقون).

(5) أين كان الناس وقتها؟
- معه بالمسجد في صلاة الظهر (رواية مجالد، والشيباني).
- لم يكونوا في المسجد، بل نودي الصلاة جامعة، فاجتمعوا فزعين (الباقون).

(6) هل سمعت فاطمة الخطبة؟
- نعم فقد حضرت إلى المسجد (رواية ابن بريدة، وسيار).
- لا بل أرسلَت الحديث (الباقون).

(7) هل كان تميم الداري موجوداً في المسجد؟
- نعم وأخرجه النبيr إلى الناس فقال لهم: هذه طيبة (رواية غيلان).
- ليس له ذكر في الحضور، والنبي r هو قائل هذه العبارة (الباقون).

(8) مَن الذي ركب البحر؟
- تميم الداري نفسه (رواية ابن بريدة، وغيلان).
- بنو عم لتميم الداري (رواية سيار، ومجالد، والشيباني).
- أناس من قومه (رواية أبي الزناد).
- ناس من أهل فلسطين (رواية ابن أبي هند، وقتادة).
فهذا اضطراب فاحش، تنضاف إليه جهالة مَن ركب البحر في رواية أبي سلمة.

(9) ما الجساسة؟
- دابة (رواية ابن بريدة، وسيار، وابن أبي هند، وقتادة)
- إنسان (رواية غيلان، والشيباني)
- امرأة (رواية أبي الزناد، وحديث أبي سلمة)
- شيء لا يُدرى أرجل أم امرأة (رواية مجالد)

(10) ما حُرِّم على الدجال من البلاد؟
- مكة وطيبة معاً (رواية ابن بريدة، وسيار، وابن أبي هند).
- طيبة فقط وهي المدينة (رواية غيلان، وأبي الزناد، ومجالد، والشيباني، وقتادة).
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:14 am

فظهر لك أن الرواة عن عامر الشعبي مختلفون في سياقة المتن، مضطربون في ألفاظه. وأما اعتلال القصة بفاطمة رضي الله عنها، فلأنها لم تسمعها من النبي r وإنما رَوَتها مرسلَة، فوهمت في غير ما موضع. وإليك البيان:


فاطمة لم تسمع القصة من الرسول

انفردت روايتا عبد الله بن بريدة وسيار أبي الحكم بحضور فاطمة إلى المسجد وسماعها خطبة النبي r. وأما الباقون فرووه عن فاطمة مرسلاً:
- رواية غيلان: ((قَدِمَ علَى رسولِ الله r تميمٌ الداري، فأخبر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أنه ركب البحر)).
- رواية أبي الزناد: ((أن رسول الله r قعد على المنبر فقال: أيها الناس، حدثني تميم الداري أن أناساً من قومه كانوا في البحر)).
- رواية مجالد: ((خرج رسول الله r يوماً من الأيام، فصلى صلاة الهاجرة ثم قعد. ففزع الناس، فقال: اجلسوا أيها الناس)).
- رواية الشيباني: ((بينما الناس ليس لهم فزع بالمدينة، إذ خرج رسول الله r. فصلى الظهر، ثم أقبل يمشي حتى صعد المنبر، ففزع لذلك الناس. فلما رأى ذلك في وجوههم، قال: أيها الناس)).
- رواية ابن أبي هند: ((أن النبي r جاء ذات يوم مسرعاً، فصعد المنبر. فنودي في الناس: الصلاة جامعة. واجتمع الناس، فقال: يا أيها الناس)).
- رواية قتادة: ((صَعِدَ رَسُولُ اللهِ r الْمِنْبَرَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَهُوَ يَضْحَكُ. فَقَالَ: إِنَّ تَمِيمَ الدَّارِيَّ حَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ)).

فظهر أنها رضي الله عنها أرسَلَت الحديث عن رسول الله r ولم تسمع هذه القصة منه.
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:14 am

بيان غلط ابن حجر في نفي تفرّد فاطمة

انفردت رضي الله عنها دوناً عن سائر الصحابة بهذه القصة، فأين الذين سمعوا من رسول الله هذه الخطبة العجيبة! وقد غلط الحافظ ابن حجر عندما دفع ذلك بقوله: ((وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك فقد رواه مع فاطمة بنت قيس: أبو هريرة، وعائشة، وجابر)). اهـ

قلتُ:
(1) عفا الله عنك، وأين هي متابعة أبي هريرة؟ لم يُشَر إليها إلاَّ في روايتي مجالد والشيباني: ((قال عامر: فلقيت المحرر بن أبى هريرة، فحدثته حديث فاطمة بنت قيس فقال: أشهد على أبى أنه حدثني كما حدثتك فاطمة. غير أنه قال: قال رسول الله r: إنه نحو المشرق)). ولا تصح لضعف سند الروايتين كما مرّ، ولعدم الاحتجاج بالمحرر، ولعدم ثبوت الحديث عن أبي هريرة.

(2) وأما القول بمتابعة عائشة فوهم، ففي رواية مجالد عند ابن راهويه: ((قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَلَقِيتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: "الْحَرَمَانِ عَلَيْهِ حَرَامٌ: مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ")) وإنما هذا حديث آخر. على أنه اختُلف في الراوي عن عائشة، ففي رواية ابن فضيل عن الشيباني: ((فلقيتُ عبد الله بن أبي بكر فحدثته، فقال: هل زادتك فيه شيئاً؟ قلت: لا، قال: صدقت. أشهد على عائشة أنها حدثتني، ولكنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وبالمدينة ما فيها")). وهذا و هم شنيع من ابن فضيل، فعبد الله بن أبي بكر مات في أول خلافة أبيه، وعامر وُلد في خلافة عمر، ولقي فاطمة في خلافة معاوية! وأما في رواية أسباط عن الشيباني: ((فلقيت عبد الرحمن بن أبي بكر فحدثته، فقال: هل زاد فيه شيئاً؟ قلت: لا. قال: صدق. أشهد على عائشة رضي الله عنها أن عائشة حدثتني بهذا، غير أنها زادت فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ومكة مثلها")). وليس للشعبي لقاء بعبد الرحمن بن أبي بكر بله سماع. والقصة لا تُعرف عن عائشة، فكيف تكون متابعة لفاطمة بنت قيس!

(3) وأما حديث جابر فمعلول، وهم فيه ابن فضيل فأسنده عن الوليد بن جميع عن أبي سلمة عن جابر، والمحفوظ عن أبي سلمة عن فاطمة بنت قيس. فكيف تكون هذه الرواية المعلولة متابعة لحديث فاطمة!

فظهر أن قوله رحمه الله: ((وقد توهم بعضهم أنه غريب فرد، وليس كذلك)) ليس كذلك. وقد قلّده مَن جاء بعده ولم يتعقبوه.
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:14 am

ما وهمت فيه فاطمة بنت قيس


أولاً: تميم وفد قبل طلاقها لا بعده:
مما وهمت فيه رضوان الله عليها قولها إن تميماً وفد على النبي صلى الله عليه وسلّم بعد انقضاء عدتها. وهذا ليس صحيحاً، وإليك البيان:
(1) وفد تميم الداري على النبي r في العام التاسع للهجرة وهو عام الوفود.
وهذا ثابت عند أصحاب السير والتواريخ، كابن كثير والذهبي وابن حجر وابن عبد البر وغيرهم.
(2) فاطمة طلّقها زوجها الطلقة الثالثة في خروجه إلى اليمن مع علي بن أبي طالب.
لما أخرجه مسلم (1480) وغيره من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ((أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع علي بن أبي طالب إلى اليمن، فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها)).

(3) خروج عليّ إلى اليمن كان في العام العاشر للهجرة قبل حجة الوداع.
قال ابن كثير في تاريخه: ((سنة عشر من الهجرة: باب بعث رسول الله r خالد بن الوليد)) ثم ساق فيه أحاديث البخاري في إرسال علي إلى اليمن. فقد قال البخاري رحمه الله في صحيحه، باب: بعث علي بن أبي طالب عليه السلام وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع، من حديث البراء رضي الله عنه (4092): ((بعثنا رسول الله r مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه)). ومن حديث أنس رضي الله عنه (4096): ((فقدم علينا علي بن أبي طالب من اليمن حاجاً)).

فاتضح أنها رضي الله عنها وهمت في حديثها: لأنه كيف يطلقها زوجها قبل حجة الوداع بشهور، ثم تقول إن تميماً وفد على النبي r بعد انقضاء عدتها، وهو رضي الله عنه إنما وفد على النبي قبل هذا الزمن بأكثر من عام!

ثانياً: فاطمة مُنعت النفقة لا السُكنى:
مما وهمت فيه أيضاً رضي الله عنها أنها ظنّت ترخيص النبي r لها في الاعتداد في غير بيتها أن المبتوتة لا سُكنى لها أيضاً بعد أن علمت أنه لا نفقة لها. وأصلُ ذلك أنها استحقرت النفقة التي بعث بها زوجها، فلمّا سألت النبيَّ r في ذلك قال لها: ((لا نفقة لك)). ثم إنها استأذنته في ألاَّ تعتدّ في بيتها، فرخَّص لها أن تعتد في بيت عبد الله بن أم مكتوم. فكانت رضي الله عنها تُفتي بأن النبي r قال لها: ((لا سكنى ولا نفقة)).

ولذلك خطأتها عائشة أم المؤمنين في هذا، وقالت فيما أخرجه البخاري (5016): ((ما لفاطمة، ألا تتقي الله!)) يعني في قولها: ((لا سكنى ولا نفقة)). وقالت: ((إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبي صلى الله عليه وسلم)). وعلى هذا يُفهَم اعتراض عمر بن الخطاب رضي الله عنه على فاطمة بنت قيس في ذلك، عندما قال: ((لا ندع كتاب ربنا إلى قول امرأة لا ندري أحفظت أم نسيت!)). فانظر إلى صنيع أهل المدينة تجدهم على أن للمبتوتة السُكنى لا النفقة رغم قول فاطمة، وإلى هذا ذهب إمام دار الهجرة مالك والشافعي وغيرهما.
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am

Re: حديث الجساسة غريب فرد

مشاركةبواسطة alimuja » الخميس أكتوبر 29, 2009 3:15 am

أصل الواقعة من الصحيحين

التبست على فاطمة بنت قيس حكاية تميم الداري، فأدخلتها في واقعة صعود النبي r المنبر بعد صلاة الظهر وخطبته في الناس وفزعهم. وقد علمتَ أن سماعها الخطبة إنما هو وهم من بعض الرواة. وأصل الواقعة هو ما أخرجه البخاري (6864) ومسلم (2359) في صحيحهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:
((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر. فلما سلَّم، قام على المنبر. فذكر الساعة، وذكر أن بين يديها أموراً عظاماً. ثم قال: "مَن أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا". قال أنس: فأكثر الناس البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: (سلوني). فقال أنس: فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله؟ قال: (النار). فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟ قال: (أبوك حذافة). قال: ثم أكثر أن يقول: (سلوني، سلوني). فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً. قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولى، والذي نفسي بيده، لقد عرضت علي الجنة والنار آنفاً في عرض هذا الحائط، وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر")).

وفي إحدى روايات مسلم: ((فما أتى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أشد منه. قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين)).

ولا ذِكر لتميم الداري هنا أصلاً. وإنما التبس عليها الأمر رضي الله عنها لأن تميماً كان أولَ مَن قصّ في الإسلام وذلك في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أذن له في ذلك. فبلغت فاطمةَ حكاية الجساسة هذه وقصة الذين ركبوا البحر من أهل الشام، وقد كانوا نصارى قبل الإسلام، فأدخلتها في قصة وفود تميم على النبي r وهو كان نصرانياً فأسلم، ثم أدخلتها في واقعة خطبة النبي عقب صلاة الظهر وحديثه عن الساعة.

ولو كان لحكاية الجساسة أصل، لما انفردت بها فاطمة عن سائر الصحابة أجمعين! فإذا انضمّ إلى هذه القرينة ردّ عائشة وعمر وغيرهما لحديثها في المبتوتة لوهمها، لتبيّنت لنا علّة حديث الجساسة وسبب نكارة متنه ومخالفته للكتاب والسنة. فكل ما يتعلق بالدجال في هذه القصة هو موضع استشكالات عظمى لا جواب عنها إلا بالتعسف والتكلّف والحيدة عن جادة الصواب.

والله تعالى أعلى وأعلم
alimuja
 
مشاركات: 122
اشترك في: الخميس أكتوبر 29, 2009 2:26 am


العودة إلى منتدى التخريج ودراسة الأسانيد

المتواجدون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر

cron